25 أكتوبر 2026 - 09:24
دبلوماسي فرنسي سابق في حوار مع «أبنا»: أزمة الطاقة حصيلة الحرب مع إيران... لماذا يتحمّل المواطنون الأوروبيون تكاليف الصراعات؟

يرى مارك فينو أن ترامب لا يحمّل الأوروبيين الجزء الأكبر من أعباء المساعدات المقدّمة إلى أوكرانيا فحسب، بل إن إدارته تفرض عليهم أيضاً تداعيات إغلاق مضيق هرمز، ومؤخراً مضيق باب المندب، وهي تداعيات تمتد بصورة متزايدة إلى مناطق أخرى من العالم.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ في وقت بلغت فيه التوترات الجيوسياسية ذروتها على جبهتي أوكرانيا والشرق الأوسط، وصلت التداعيات الاقتصادية لهذه الصراعات إلى أوروبا على نحو غير مسبوق. 

وقد أدّى التحوّل من مصادر الطاقة منخفضة التكلفة إلى مصادر أكثر كلفة، إلى جانب تغيير أولويات الموازنات وتحويل الإنفاق من الخدمات العامة إلى الصناعات الدفاعية، إلى تهديد الأمن الغذائي، فضلاً عن تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، الأمر الذي أشعل موجة جديدة من الاضطرابات الاجتماعية في العواصم الأوروبية.

وتكشف التطورات الراهنة في أوروبا عن صورة جديدة للأزمات المترابطة والمتشابكة في هذه القارة؛ وهي أزمات تحوّل التفاوت الاقتصادي إلى ساحة للصراع السياسي، وتتأثر أحياناً بدورها بالتطورات السياسية.

وفي حوار مع وكالة «أبنا» للأنباء الدولية، استعرض مارك فينو، الدبلوماسي الفرنسي السابق والباحث المنتسب إلى مركز جنيف للسياسات الأمنية، أسباب التطورات الأخيرة في أوروبا وخلفياتها، واتساع نطاق الاحتجاجات والاضطرابات الشعبية في مختلف أنحاء القارة.

إضعاف السيادة الوطنية الأوروبية... من الضغوط الخارجية إلى الأزمات الداخلية
ردّاً على سؤال بشأن ما إذا كان ينبغي النظر إلى الاضطرابات الراهنة في أوروبا في إطار تحوّل القارة من «مركز مستقل لصنع القرار» إلى ساحة لتنافس القوى التي تعمل بالوكالة عن الولايات المتحدة، وكيف يمكن لهذا المسار أن يضعف السيادة الوطنية للدول الأوروبية، قال فينو إن الأسباب الجذرية لهذه الأوضاع أكثر تعقيداً.

وأضاف أن الأنظمة السلطوية، مثل روسيا، وإدارة ترامب ذات النهج التصادمي، تسعيان إلى إضعاف أوروبا وزعزعة استقرارها، باعتبارها نموذجاً ديمقراطياً منافساً وخصماً اقتصادياً. كما توظّف هذه الأطراف انفتاح أوروبا في مجال الهجرة والتنوع الاجتماعي لمصلحتها، أو تنتقده، رغم ارتباطه تاريخياً بماضي أوروبا الاستعماري وإسهامه، في الوقت نفسه، في تحقيق ازدهارها.

وفي الوقت ذاته، يمكن تفسير الاضطرابات العنيفة الراهنة من خلال مجموعة من العوامل الداخلية أيضاً؛ إذ أدّى الابتعاد المفرط عن السياسات الديمقراطية الاجتماعية والتحوّل نحو السياسات النيوليبرالية إلى تركز الثروة في أيدي أقلية صغيرة، وإلى عدم تخصيص التمويل الكافي لتوفير خدمات اجتماعية فعّالة.

وتُعدّ فرنسا مثالاً بارزاً على ذلك. فعلى مدى العقود الماضية، خفّضت الحكومات اليمينية في هذا البلد الضرائب المفروضة على الأثرياء، كما قلّصت الاستثمارات في الخدمات العامة، بما فيها التعليم والصحة والشرطة والقضاء. وقد حدث ذلك بالتزامن مع تراكم ديون عامة ضخمة، في حين باتت معالجة هذه الديون مرتبطة بمزيد من التخفيضات في الإنفاق.

أزمة الطاقة وتداعيات الحربين في أوكرانيا وإيران
وفي معرض حديثه عن التأثير المتزامن للتطورات على جبهتي أوكرانيا وإيران في الاقتصاد الأوروبي، وعن الرأي القائل إن المساعي الأمريكية لاحتواء قوة روسيا وإيران حمّلت الدول الأوروبية أعباءً باهظة، قال فينو إن أوروبا تواجه حالياً أزمة طاقة حادة، تترتب عليها تداعيات واسعة تشمل قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات.

وأوضح أن هذه الأزمة ناجمة عن عاملين رئيسيين: أولهما الحرب الروسية على أوكرانيا، التي أدّت إلى تغيير مصادر إمدادات النفط والغاز الأوروبية، والانتقال من الطاقة الروسية منخفضة التكلفة إلى الطاقة الأمريكية الأعلى كلفة؛ وثانيهما الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة على إيران.

وأضاف أن ترامب لا يحمّل الأوروبيين الجزء الأكبر من أعباء المساعدات المقدّمة إلى أوكرانيا فحسب، بل إن إدارته تفرض عليهم أيضاً تداعيات إغلاق مضيق هرمز، ومؤخراً مضيق باب المندب، وهي تداعيات تمتد بصورة متزايدة إلى مناطق أخرى من العالم.

وأشار إلى أن هذا الوضع قد تكون له تداعيات سلبية على المواطنين الأمريكيين أيضاً، غير أن الولايات المتحدة وروسيا، بوصفهما من كبار مصدّري الطاقة، تستفيدان من ارتفاع أسعار النفط والغاز. واعتبر أن «اتفاق الديزل» الذي أُبرم مؤخراً يشكّل دليلاً على وجود مثل هذا التواطؤ.

ارتفاع الإنفاق العسكري وإضعاف منظومة الرعاية الاجتماعية
ورداً على سؤال بشأن دور خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية وزيادة النفقات الدفاعية في تفاقم أزمة تكاليف المعيشة في أوروبا، بما في ذلك نقص السلع في الأسواق واحتجاجات المزارعين، وكيف يسهم تغيير الأولويات في دفع النموذج الاقتصادي القائم على الرفاه الاجتماعي نحو «اقتصاد الحرب»، قال الدبلوماسي الفرنسي إن التوجه نحو تقليص الإنفاق على الرعاية الاجتماعية كان إحدى السمات الرئيسية للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي اتُّبعت خلال العقود الماضية.

وأضاف أن الزيادة الكبيرة في الموازنات العسكرية، التي بلغت في بعض الحالات مستويات مرتفعة للغاية، أضفت بُعداً جديداً على هذا المسار. وقد جاءت هذه الزيادة في أعقاب الحرب التي شنّتها روسيا مباشرةً على أوكرانيا، وبصورة هجينة على الدول الأوروبية، بهدف زعزعة استقرارها.

وأعرب فينو عن أسفه لتأثر قطاع واسع من الرأي العام الأوروبي بهذه التصورات المتعلقة بالتهديدات، مشيراً إلى أن الحكومات تستغل هذه التصورات لتحقيق مصالحها السياسية، فيما تستفيد منها شركات الصناعات الدفاعية.

وأوضح أنه في ظل الأزمات المالية والعجوزات في الموازنات التي كانت قائمة أصلاً، لا يمكن زيادة الإنفاق العسكري إلا على حساب خفض الإنفاق الاجتماعي.

تداعيات الحروب على الزراعة والنقل وموازنات الحكومات
وفي معرض حديثه عن الحلول التي يمكن للحكومات الأوروبية اعتمادها لمواجهة الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحروب وارتفاع أسعار الأسمدة الكيميائية والوقود وتكاليف النقل، قال فينو إن الحكومات ستضطر إلى الاستجابة لضغوط مختلف الفئات الاجتماعية، التي قد تنزلق احتجاجاتها أحياناً إلى العنف.

وأضاف أن بعض الدول الأوروبية خفّضت الضرائب المفروضة على البنزين، فيما قدّمت دول أخرى، من بينها فرنسا، تعويضات للفئات الأكثر تضرراً.

وأوضح أن هذه التدابير تسهم في تفاقم أزمة عجز الموازنات، وإن كان من الممكن، على المدى الطويل، أن تساعد في تسريع التحوّل إلى الطاقة المتجددة والزراعة العضوية، أو أن تشجّع الدول الأوروبية على تنويع مصادر إمداداتها من الطاقة.

الدين العام ومخاطر تصاعد الاستياء الاجتماعي
وفي ختام حديثه، تناول فينو مسألة تمويل تكاليف الحروب من موازنات الرعاية الاجتماعية والدعم، والسبل الكفيلة بمنع تفاقم الاستياء الاجتماعي الناجم عن تراجع القدرة الشرائية وشعور المواطنين بأن حكوماتهم قد خذلتهم.

وقال: «كما نرى، فإن الأوضاع صعبة للغاية في معظم البلدان. وفي بعض الأحيان، تلجأ الحكومات، ومنها الحكومة الفرنسية، إلى زيادة الدين العام، ناقلةً بذلك أعباء هذه المشكلات إلى الأجيال المقبلة».

وأضاف أن هذا النهج يترتب عليه أيضاً ارتفاع تكاليف الفائدة؛ إذ يُتوقع أن ترتفع التكلفة الصافية لخدمة الدين العام الفرنسي إلى أكثر من 90 مليار يورو، وهو مبلغ يعادل تقريباً موازنة الدفاع، ويتجاوز موازنة التعليم.

وأشار إلى أن هذا هو السبب الذي يدفع بعض السياسيين والاقتصاديين إلى طرح احتمالات تشمل إعادة جدولة آجال سداد الديون، أو تجميدها، أو حتى شطب جزء منها.

وأوضح أنه ينبغي داخل الاتحاد الأوروبي مناقشة آليات من شأنها تخفيف أعباء الديون الناجمة عن الاستثمارات الموجّهة إلى الإنتاج المستقبلي، مقابل فرض أعباء أشد على الديون الناجمة عن النفقات غير المنتجة، مثل الإنفاق على الإدارة والوظائف العامة. واختتم بالإشارة إلى أن اتخاذ مثل هذه الإجراءات لن يكون خالياً من التداعيات الاجتماعية أيضاً.

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha